الشيخ السبحاني

110

مفاهيم القرآن

وعلى ذلك ليس كلّ ممّا ترك أمراً معدوماً ، بل أمر موجود ، غاية الأمر إنّما فقد الاتصال والتماسك بين الأجزاء التي هي مبدأ للروح الحيوانية ، فلو أعيد الاجتماع والانضمام إلى الأجزاء وتعلّق بها الروح المحفوظة ، يكون المعاد نفس الإنسان السابق . وممّا يؤكد ذلك ما أثبته العالم الفرنسي لافوازيه عام 1775 م فقد أثبت بأنّ المادة لا تعدم ولا تستحدث بل تتحول من شكل إلى آخر ، وانّ التفاعلات الكيمياوية أو الفيزياوية لا تعدم فيها المادة بل المادة باقية بحالها ، غاية الأمر تتحول من شكل إلى شكل آخر . الشبهة الثانية : شبهة الآكل والمأكول هذه الشبهة من أقدم الشبهات التي طرحت في المعاد الجسماني ، وقد جاء ذكرها في أكثر الكتب الكلامية . وقد قررت بوجوه ، أوضحها ما ذكره العلّامة الحلّي في كشف المراد ، حيث قال : إنّ إنساناً لو أكل آخر أو اغتذى بأجزائه فإن أعيدت أجزاء الغذاء إلى الأوّل عدم الثاني ، وإن أُعيدت إلى الثاني عدم الأوّل . وأيضاً إمّا أن يعيد اللَّه تعالى جميع الأجزاء البدنية الحاصلة من أوّل العمر إلى آخره أو القدر الحاصل له عند موته ، والقسمان باطلان : أمّا الأوّل : فلأنّ البدن دائماً في التحلّل والاستخلاف ، فلو أُعيد البدن مع جميع الأجزاء منه لزم عظمه في الغاية ، ولأنّه قد يتحلّل منه أجزاء تصير أجساماً غذائية ثمّ يأكلها ذلك الإنسان بعينه حتى تصير أجزاء من عضو آخر غير العضو الذي كانت أجزاء له أوّلًا ، فإذا أُعيدت أجزاء كل‌ّعضو إلى عضوه لزم جعل ذلك